ما أثر كوفيد-19 المتوقع على طلب المساحات المكتبية؟


ألكساندر هارتمان
شريك إداري
ذا لوفت بيورو العقارية ذ. م. م.

في الوقت الذي تتحضر قطر لمواجهة قيود جديدة محتملة للسيطرة على كوفيد-19، تخرج العديد من البلدان الأخرى من مراحل إغلاق وقيود وتستعد لرفع تدريجي لهذه الإجراءات. لقد كانت الجائحة درساً للشركات في أنحاء العالم، بما في ذلك قطر، تعلمت من خلاله أن طريقة عملها لا بد وستتغير بشكل جذري على المدى الطويل. وكانت شركات التصميم والمختصين والباحثين الأكاديميين قد توصلوا سابقاً لكفاءة وفعالية المساحات المكتبية المفتوحة، ومساحات العمل الجماعية، ومساحات العمل المشتركة لرواد الأعمال، ودرست هذه الجهات العدد المثالي من الأفراد لإشغال هذه المساحات، واستغلال مساحة العقار بفعالية، ومراعاة سهولة الحركة والمرونة وتوفير أدوات التواصل وتبني الذكاء الاصطناعي.   

لكن العالم تغير عما كان عليه قبل عام من اليوم، ووجدنا أنفسنا في مواجهة سلسلة من تحدياتٍ قد لا تكون جديدة، ولكنها برزت على نطاق واسع بشكل غير مسبوق. وبطبيعة الحال، لم تعد حلول الأمس مجدية في حل المشاكل التي تواجهنا اليوم، فالعالم بحاجة لحلول وإجابات جديدة وابتكارات شمولية.

أصبح مديرو الشركات اليوم ينظرون لجوانب محيط العمل المذكورة آنفاً من منظور مختلف بشكل كبير عما اعتادوا عليه قبل كوفيد-19. حيث دفعتهم توجيهات عمل الموظفين من المنازل إلى إعادة النظر بطريقة تنظيم وإدارة عملياتهم. نتيجةً لهذا، يدرس الخبراء تغيير كثير من التوجهات السابقة، بل وحتى أنهم يتوقعون حدوث ذلك بشكل تلقائي.

على سبيل المثال، انعكس اتجاه رفع أعداد المشاركين في فرق العمل والمساحات المكتبية المفتوحة نحو تقليل هذه الأعداد. وأصبح السؤال الأبرز هو: “ما الخطوات التي يمكن اتخاذها، وما التصاميم التي يمكن تطبيقها لتقليص الكثافة البشرية في المساحة المكتبية تسهيلاً للتباعد الاجتماعي المطلوب اليوم والذي قد نحتاجه أيضاً في المستقبل؟” ستحدد البروتوكولات الجديدة المرتبطة بكوفيد-19 شكل مساحات العمل في المستقبل بالتركيز على ترك مسافات أكبر بين الأفراد والفصل بينهم مكانياً أو مادياً أو زمنياً. أي ترتيب مكاتب العاملين على نحو يسمح بمسافة أكبر بينها، وتقليل عدد الأشخاص في غرف الاجتماعات، ووضع حواجز لتقسيم المساحة وفصل العاملين، وتنظيم مناوبات العاملين لتقليل عدد المتواجدين معاً في وقت واحد، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يأتي عدد من الموظفين للعمل في المكتب في يوم ما إذا دعت الحاجة لذلك بينما يعمل البقية من منازلهم.

لقد أثبتت الشركات التقنية العصرية، مثل فيسبوك وتويتر إلى جانب الشركات التقليدية مثل مورغان ستانلي، قدرتها أثناء الجائحة على مواصلة العمل دون وضوح ذلك للعيان مما يجعلنا نتساءل حول مستقبل الطلب على المساحات المكتبية. ومن خلال اطلاعي على حال الكثير من عملائنا هنا في الدوحة، يمكنني القول إن كثيراً منهم ما زال معتمداً على العمل عن بعد، مما أدى بهم إلى التفكير في تقليص مساحاتهم المكتبية الحالية في المستقبل، ومواصلة نهج عمل فرقهم عن بعد وتطبيق ذلك على نطاق أوسع. لكن الأثر المستقبلي لهذا الاتجاه على سوق المكاتب في الدوحة لا يزال في علم الغيب في الوقت الحالي.

ومع هذا، أعتقد أن أصحاب البنايات التجارية والمدراء التنفيذيين أدركوا أن سوق المكاتب المحلي سيتغير بشكل كلي ما بعد كوفيد-19. مما يعني أن عليهم التفكير بإجابة عن السؤال التالي وإعطاء ذلك أهمية قصوى: “هل تبددت أهمية مساحات المكاتب التجارية مع تغير تصميم هذه المكاتب عما عهدناه إلى اليوم؟”

مما لا شك فيه أن الاتجاهات الجديدة ستجلب معها تبعات مالية واجتماعية ونفسية، ولكن هل نحن في صدد نزوح عام عن المساحات المكتبية؟ تخيل معي هذا السيناريو وأثره على الاقتصاد – ستؤدي مثل هذه الحركة بلا شك إلى الكثير من التبعات السلبية أهمها ركود اقتصادي شديد.

ولا ننسى أن سيناريو العمل من المنزل يخلق بدوره تحديات للعاملين تتمثل بأمور معنوية مثل شعور الانعزال وافتقاد عامل الانضمام لمجتمع زملاء العمل، إضافة إلى أمور تتعلق بفعالية العمل مثل عدم إمكانية الوصول لبعض الأدوات والمصادر، والتشتت الناتج عن الوجود في المنزل مع أفراد العائلة الآخرين.

حضرتُ مؤخراً عرضاً تقديمياً مثمراً مثيراً للاهتمام عبر الإنترنت تحت رعاية شركة جي إل إل العقارية حول مستقبل تصميم مساحات العمل. استضافت جي إل إل من خلال العرض عدداً من الضيوف للحديث حول تغيرات مساحة العمل ما بعد كوفيد-19. وخلص الحديث إلى تصور يتوافق ورأيي الشخصي الذي يتمثل بأن التغيير في التصميم لا بد وسيأتي مستقبلاً، ولكن الأرجح أننا سنعود في مرحلة ما إلى مساحات العمل الجماعية. لهذا، يجب ألا نعتمد على الاتجاه الحالي لتحديد تصاميم مساحات العمل في المستقبل، بل علينا أخذ تبعات ومتطلبات ظروف الجائحة في الحسبان وإجراء التعديلات اللازمة لتلبية الحاجة لذلك. فعلينا ألا ننسى أن الجانب الاجتماعي والانضمام للمجموعات هو حاجة إنسانية متأصلة لا تقل أهمية عن الحاجة للأمن والسلامة، فمن الثابت علمياً أن الأفراد الذين يرتبطون بالكثير من العلاقات الاجتماعية الوطيدة يتمتعون بصحة أفضل من الأفراد المنعزلين.

وهناك جانب آخر يدعم أهمية العمل ضمن مساحات مكتبية مشتركة، ألا وهو بناء ولاء الموظف وإحساسه بتشكيل جزء من الشركة. فهذا لا يحدث بلمح البصر، بل يتطلب وقتاً كافياً يسمح للموظف بصياغة هويته وثقافته من خلال عضويته في الشركة وتمثيله علامتها التجارية، ولا يمكن بناء مثل هذه المشاعر إلا من خلال خوض تجارب الحياة العملية على أرض الواقع مع زملاء العمل داخل الشركة.

أما بالنسبة لمساحات العمل المشتركة، فهي ليست بمعزل عن نفس التغييرات والتحديات التي تواجه مساحات العمل المكتبية، فقد نمت مثل هذه المساحات في السنوات الأخيرة في الدوحة وفي شتى المدن الكبيرة في أنحاء العالم، وذلك نتيجة الحركة الكبيرة نحو تشجيع ريادة الأعمال والسعي لتفاعل رواد الأعمال ضمن مساحات عمل مشتركة مشجعة على الابتكار والتعاون تدعم الحس المجتمعي. وبالرغم من حسنات هذه المساحات، يُرجح عدم إقبال الكثيرين للعودة بأعداد كبيرة لإشغالها حتى بعد رفع القيود وإعادة فتح الأعمال خوفاً من العدوى. ووفقاً لمحادثاتي مع بعض قادة السوق المحلي لمساحات العمل المشتركة، أعتقد أن الطلب على هذا القطاع قد يختلف عن التوقعات التي صيغت ما قبل كوفيد-19. 

نخلص في المحصلة إلى ضرورة توجه أصحاب العمل لإجراء تعديلات على تصميم مكاتبهم تلبيةً للمعايير والحاجات الجديدة للقوى العاملة. قد لا يرغب الموظفون بالضرورة العمل من المنزل، ولكن على أصحاب العمل توفير مساحات جاهزة عندما تدعو الحاجة للعمل فيها. لهذا، سيحدد التركيز على نهج العمل الجماعي بدلاً من العمل الفردي التصميم المستقبلي للمساحات المكتبية، وأعتقد أن الجميع يتطلع بحماس للاتجاهات الجديدة التي يمكن أن تتبناها التصاميم قريباً!