تنظيمات سوق العقارات – نعمة أم نقمة لقطر؟, ألكساندر هارتمان مستشار عقاري خبير كوريو للعقارات Coreo Real Estate

ألكساندر هارتمان
مستشار عقاري خبير
كوريو للعقارات Coreo Real Estate

يَذكُرُ الكثير منا الأزمة الاقتصادية التي مر بها العالم عام 2007، والتي علمتنا درساً مكلفاً عن معنى فقدان السيطرة على القطاع العقاري. باختصار، فقد أكثر من 20 مليون شخص وظائفهم حول العالم، وقُدرت خسائر الولايات المتحدة وحدها بحوالي 14 تريليون دولار أمريكي. وبالرغم من هذا، لم يكن تأثير الأزمة الاقتصادية على السوق القطري بنفس الحدة التي ضربت الأسواق الدولية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. إلا أن البيانات الاقتصادية تبين تباطؤاً في وتيرة الأعمال في قطر في تلك الفترة. 

وكنتيجة لهذا الركود الاقتصادي، انخفضت ثقة العامة من الناس في القطاع العقاري والمالي إلى أدنى المستويات. ولاستعادة هذه الثقة، تعاونت الحكومات والشركات في إيجاد طرق جديدة لتنظيم السوق بسبب فشل النهج القديم وإثباته عدم كفاءته.

 

واليوم، بعد مضي أكثر من عقد من الزمن على الأزمة الاقتصادية، قامت الكثير من السلطات في أنحاء العالم بتطبيق تنظيمات جديدة في أسواقها المالية والعقارية. تشترك هذه الأنظمة جميعها ببعض الخصائص، وهي تقوم بمجملها على عدد من الأساسيات.

هل بإمكانك ذكر الخصائص الأساسية للمعاملات العقارية؟ للمعاملات العقارية مجموعة من الخصائص المشتركة سواء أجريت في الدوحة أو لندن أو نيويورك أو في أي مكان آخر في العالم، ويمكن تلخيص هذه الخصائص كما يلي: أولاً، اقتناء منزل جديد هو أحد القرارات المالية الأهم في حياة معظمنا، وينطبق هذا عليّ شخصياً. ثانياً، تنطوي أية معاملة عقارية على مبلغ كبير من المال بغض النظر عن نوع الأصول ذات العلاقة. جميعنا نسعى لتقليل المخاطرة المتعلقة بممتلكاتنا، سواء كنا مستثمرين تجاريين أو كنا فقط نرغب بشراء منزل. ثالثاً، غالباً ما يتدخل سمسار كطرف ثالث في حالة المعاملات العقارية السكنية والتجارية لمساعدة أحد الطرفين أو كليهما، أي البائع والمشتري. وعادة، يتم تعويض السمسار بعمولة مقابل خدماته. وأخيراً، تشمل المعاملات العقارية عدا التأجير، أموراً معقدة مثل التمويل، وتحويل الأموال مقابل التملك، وتطبيق القوانين العقارية أو التدبيرات المحلية الخاصة بالبلد/المجتمع للمعاملات والتي عادة لا يعرفها العامة.    

لهذه الأسباب المذكورة وغيرها، قامت السلطات القضائية في أنحاء العالم بتأسيس هيئات حكومية وشبه حكومية لتعزيز الاتساق والعدل في المعاملات العقارية، ولضمان كفاءة مهنيي قطاع العقارات وحماية الأفراد، وكذلك الأسواق العقارية والمالية ذات العلاقة، من الممارسات غير المشروعة والمخادعة والتعسفية. تضمن هذه المعايير التنظيمية التنافس ضمن إطار عادل تنطبق فيه “قوانين اللعبة” على الجميع. وكمثال على مثل هذه المنظمات، تعمل كيانات بمسمى مؤسسة التنظيم العقاري RERA في كل البحرين، والإمارات العربية المتحدة والهند. أما في المملكة المتحدة، فتدعى هذه المنظمة فريق الوكالة الوطنية لمعايير التجارةNational Trading Standards Estate Agency، وفي الولايات المتحدة هي رابطة موظفي قانون ترخيص العقاراتAssociation of Real Estate License Law Officials. وفي نفس الوقت، يتسع نطاق هذا الاتحاد دولياً بحيث يدعم مُنظِمين آخرين خارج الولايات المتحدة في تطوير وتطبيق مشاريع إنشاء وكالات تنظيمية وطنية. 

وبالرغم من أن كلاً من هذه المنظمات المختلفة في أنحاء العالم تتباين في نهجها التنظيمي وعملها، فهي جميعها تشترك بهدف واحد ثابت هو: حماية العامة.

والسؤال الآن هو: كيف يمكن تطبيق هذا الهدف؟ حسناً، تركز كل برامج الترخيص العقارية المهنية والوظيفية هذه على المواضيع الثلاثة التالية لتحقيق هذا الهدف المشترك:

 

1. تحديد مؤهلات ابتدائية

ضمن هذا الموضوع، يمكننا تلخيص تنوع البرامج التعليمية والتي تضمن أن يحصل كل وكيل مسجل على المهارات والكفاءات اللازمة لتوجيه عملائهم بنجاح خلال المعاملات العقارية. وإلى جانب البرامج التعليمية، يمكن منع الأشخاص الذين لا يتمتعون “بشخصية جيدة” من امتهان هذه المهنة. هؤلاء هم أشخاص أدينوا باقتراف أنواع معينة من الجرائم. مثلاً، لا يمكنك الحصول على رخصة عمل كسمسار عقاري في ألمانيا إذا كانت تترتب عليك حالياً أو ترتبت عليك سابقاً ضرائب لقسم الضرائب الألماني. 

2. ضمان الكفاءة المستمرة

يعتبر منظمو الأسواق العقارية أن اطلاع وتدريب المشاركين في السوق العقارية على المعلومات اللازمة هو أمر ضروري لفعالية نظامهم. ويجب أن تكون معلوماتهم دائماً محدّثة. وكنتيجة لذلك، يجب أن تضطلع السلطات التنظيمية أيضاً بمهمة ضمان استمرارية كفاءة جميع السماسرة المرخصين ومعرفتهم في مجالهم. في معظم السلطات القضائية، يترافق التعليم المستمر للسماسرة المرخصين مع متطلبات تجديد الترخيص. وعادة تُدرَّس المعلومات والمهارات المطلوبة في دورات تقدمها جهات تعليم مستمر معتمدة. 

3. تحديد المسؤوليات والتوقعات

تخيل معي سوقاً مفتوحة دون وجود قواعد تحكم أفضل الممارسات… في مثل هذا السوق، تكون الوكالات التنظيمية مهددة بالفشل الوشيك. وبالتالي، تشمل التشريعات القضائية وغيرها من اللوائح الحكومية التي أنشأت وكالات تنظيمية عقارية، عادة معايير لأفضل الممارسات تنطبق على جميع السماسرة. وهذه القواعد والتنظيمات للمشاركين في السوق هي الوحيدة القادرة على خلق أساس متين يُمكّن من بناء ممارسات أعمال داخلية فعالة وهي فقط الوحيدة التي يمكنها إعطاء الفرصة للمنافسة ضمن صناعة متزنة ومتسقة. 

إضافة إلى هذا، ستعمل هذه القواعد والتنظيمات على تحديد مبادئ للمعاملات وتحديد المسؤوليات والواجبات للأطراف المعنية في المعاملات العقارية. على سبيل المثال، قد تتطلب قوانين العلاقة المبنية على السمسرة من الوكلاء المرخصين ممارسة عملهم بمهارة وعناية عالية، وتقديم جميع العروض والعروض المقابلة مباشرة، والإفصاح عن المعلومات للأطراف المعنية والتصرف بما يخدم مصلحة العميل أو الزبون وليس مصلحة الوكيل.     

أعتقد أننا نتفق جميعاً على أن نجاح نظام تنظيمي وما ينتج عنه من حماية العامة، يعتمد على التطبيق المستمر للقوانين والتنظيمات المقابلة. ولهذا السبب، أقيمت هيئات معتمدة من قبل الحكومة مثل اللجان والمجالس والهيئات في جميع الأسواق المنظمة تقريباً، للإشراف على تطور السوق ككل، وإلزام جميع السماسرة بالتقيد بقوانين الترخيص. 

تُخوَّل هذه الكيانات بشكل عام بسلطة معاقبة السماسرة الذين يخرقون قوانين الترخيص. وفي حالة سوء التصرف، يمكن أن تتباين مثل هذه العقوبات من إلغاء إجباري للرخصة إلى متطلبات إعادة التأهيل، تشمل على سبيل المثال تعليماً أو تدريباً إضافياً أو متطلبات مراقبة التدريب. غالباً ما تُحمِّل الوكالة التنظيمية السمسار المرخص المسؤولية عن أية خسائر مالية تنتج عن أخطاء غير مقصودة يرتكبها خلال معاملة عقارية. ويحمي تأمين مسؤولية الطرف الثالث وبرامج تمويل التعافي المالي أفراد العامة من مثل هذه الخسائر. 

كما يشكل تعزيز الشفافية والعدل للمرخصين والعامة جانباً آخر مشترك بشكل واسع بين الوكالات التنظيمية للعقارات. ولهذا السبب، تخضع هذه الهيئات التنظيمية لتفويضات تضمن إدارة منفتحة وعادلة لقوانين الترخيص مما يسمح للسماسرة المرخصين أن يتأكدوا من أنهم سيُعاملون دوماً بشكل عادل وغير متحيز. وفي الواقع، تعبر مثل هذه التفويضات للوكالات التنظيمية والتي تصدرها السلطات القضائية، تطبيق الشفافية، أي: يجب أن يكون العامة على اطلاع بكيفية أداء الوكالة لمهماتها.     

في معظم الأسواق التي تخضع للتنظيمات، تعين الوكالات التنظيمية سماسرة مرخصين ذوي خبرة وسمعة إيجابية بشكل استثنائي للانضمام إلى جانب ممثلين عن العامة، إلى مجالس استشارية و/أو مجالس اتخاذ القرارات تنتمي للجهة المُنظِمة.

كما أن وضع حدود لنطاق القوانين والتنظيمات الجديدة هو طريقة أخرى لضمان تصرف الوكالة التنظيمية بشكل عادل. وقبل أن يتخذ المنظم خطوة في سبيل إنفاذ القوانين الجديدة وقواعد أفضل الممارسات، يُطلب منه اتباع خطوات إجرائية معينة للتأكد من الحاجة لهذا المعيار التنظيمي الجديد أو التعديل على أحد القوانين الموجودة أصلاً أو على إحدى قواعد أفضل الممارسات، وأنه يقع ضمن صلاحياته.

إلى جانب هذا، وكما هو الحال مع أية هيئة حكومية أخرى، يتعرض عمل الوكالة التنظيمية العقارية لمراجعة منتظمة تقوم بها الهيئة التشريعية التي خَوّلت الوكالة للعمل. وتبعاً لنتائج هذه المراجعات، تستقرأ السلطة العليا ما إذا كانت الوكالة التنظيمية تعمل ضمن نطاق السلطة المحددة التي أنيطت بها أم أنها تتخطى تلك الحدود. وفي حالة خروج عمل الوكالة عن تلك الحدود، تُنَفَّذ إجراءات إصلاحية من قبل الهيئة التشريعية.

من المعروف أن وجود وكالة تنظيمية مبنية بشكل جيد وتعمل بشكل صحيح يمكنه أن يطلق إمكانات السوق الكامنة ويعزز من الأداء فيه وصحته. في كثير من الأسواق، لا تضطلع الوكالة التنظيمية بمهمة منح رخص للسماسرة والإشراف عليهم فحسب، وإنما تطال مهامها صناعات أخرى ذات علاقة مثل مجال التقييم العقاري، والمقاولات والتطوير. وفي كثير من الأحيان، تتعاون وكالة التنظيم العقاري مع غيرها من الوكالات التنظيمية في قطاعات أعمال أخرى في الاقتصاد لتعزيز التعاون السلس بين المشاركين متى كان ذلك مطلوباً.

في أوائل عام 2018، أصدرت حكومة قطر قانوناً جديداً فيما يتعلق بتنظيم السمسرة العقارية. لم يدخل هذا القانون حيز التنفيذ بعد، ولكن يتوقع أن يُطلب من الهيئات و/أو الأفراد الذين يحكم هذا القانون أعمالهم، بالالتزام به قريباً جداً.

ومن التغييرات التي ستنتج عن هذا القانون الجديد هي: أولاً، أن تصبح وزارة العدل هي السلطة التنظيمية لمراقبة النشاطات العقارية في قطر، بما في ذلك نشاطات السمسرة العقارية، وبالتالي، ستنشأ لجنة لشؤون السماسرة العقاريين. ثانياً، بموجب هذا القانون، سيُطلب من السماسرة كأفراد اجتياز اختبارات ودورات تدريبية تحددها اللجنة للحصول على ترخيص كسماسرة عقاريين. 

وتركز قوانين وتنظيمات أخرى تحت هذا القانون على تعريف خدمات السمسرة والخدمات العقارية التي تنضوي تحت هذا القانون الجديد، ويضع القانون حداً لرسوم السمسرة بنسبة 50% من الإيجار الشهري لعقود التأجير الذي يحققها السمسار و1% من قيمة العقد لنقل الملكية. كما يبين القانون الإجراءات التأديبية والعقوبات المستحقة لدى خرق هذا القانون الجديد. تتباين شدة العقوبات المحتملة من الإنذارات البسيطة والغرامات إلى فرض إغلاق الشركة أو الحبس أو الترحيل من قطر إذا كان الشخص المعني ليس قطرياً.

وَقَّعت وزارة العدل القطرية في أواخر عام 2018 مذكرة تفاهم مع المعهد الملكي للمسَّاحين القانونيين Royal Institution of Chartered Surveyors من إنجلترا، بخصوص التدريب للكفاءة الذي سيُقدَّم للعامة في المستقبل ليساعد في التنمية المهنية للقطاع.

ستقوم هاتان الجهتان معاً بتصميم وتطبيق آلية للتقديم في قطاع العقارات تضمن التزام جميع المشاركين في السوق القطري بالقوانين والتنظيمات المحلية. إضافة لهذا، سيؤدي التعاون بين هاتين الجهتين إلى تبني معايير أخرى مثل معايير القياسات العقارية الدولية ومعايير التخمين الدولية. وهما يهدفان لتطبيق هذه المعايير والتنظيمات الجديدة بنجاح من خلال ورشات وندوات عامة متواترة.               

            

برأيي، من الواضح أن الحكومة القطرية تسعى حالياً لجذب المزيد من المستثمرين الخارجيين للسوق العقارية المحلية. وبأخذ هذه النقطة في الحسبان، يمكن فهم السبب من وراء تطبيق أو النية القريبة في تطبيق قوانين السمسرة العقارية الجديدة أو التعديلات المؤخرة للقوانين الحالية، أي القانون المعدل الذي يسمح للأجانب بشراء العقارات في مناطق معينة من قطر. ستساعد هذه القوانين في تعزيز الشفافية في السوق العقاري، والحوكمة، والمرونة، وربط السوق برؤية البلاد ومستقبلها. ستسمح هذه الشفافية والحوكمة والأسعار المعقولة للعقارات، للمستثمرين بتقييم تنافسية وجاذبية السوق العقاري الوطني وعلى أمل جذب المستثمرين الأجانب، مما سيؤدي إلى ارتفاع في الاستثمار الأجنبي المباشر.

ومن خلال المراقبة المستمرة للسوق العقارية ودورته، ستتمكن الحكومة القطرية من التأثير على السوق المحلي عندما تدعو الحاجة لذلك لتجنب تكرار أزمات الماضي ولدعم اتجاهات السوق الإيجابية بطريقة تفيد الاقتصاد ليبقى نشيطاً وينبق بقوة أكبر.

ويبقى أن نرى الاتجاه الذي سيسير به السوق العقاري القطري في المستقبل القريب. ونأمل رؤية تغير إيجابي في أداء السوق الكلي في السنوات القادمة.